تَطَوَّر مفهوم الرقابة بشكل محسوس في السنوات الأخيرة مانحا بذلك للجوانب المتعلقة بالتدقيق و التقييم و الاستشارة دورا متزايدا، خاصة من حيث متابعة ظروف تسيير الأموال العمومية و استعمالها.

و بما أنّ المفتشية العامة للمالية ليست في منأى عن التطور الحاصل في مفهوم الرقابة، فان جوانب تتعلق بمهام المساعدة في صنع القرار تبرز جليا من خلال بعض مواد المرسوم رقم 08 - 272 المؤرخ في 06 / 09 / 2008 المحدد لصلاحيات المفتشية العامة للمالية.

الإطار القانوني:

إن دور المساعدة في صنع القرار المعهود للمفتشية العامة للمالية من خلال المرسوم المشار إليه أعلاه تميز على وجه الخصوص ب :

- طبيعة التدخلات )المادة 4(

- إعلام السلطات في حالة الوضعيات الطارئة )المادة 9(

- تدخلات خارج البرنامج )المادة 13 (

- تقديم اقتراحات و صياغة توصيات )المادة 21 (

أ- طبيعة تدخلات المفتشية العامة للمالية

تتعلق المادة 4 التي تحدد طبيعة التدخلات بالمفتشية العامة للمالية، ب :

- التدقيق و الدراسات و التحقيقات و الخبرة ذات الطابع الاقتصادي و المالي و المحاسبي.

- تقييم ظروف تنفيذ السياسات العمومية و النتائج المتعلقة بها.

إن مهام التدقيق و الدراسات و التحقيقات و الخبرة التي أوكلتها السلطات المؤهلة للمفتشية العامة للمالية، تلبي حاجيات محددة، على وجه العموم.

و بالتالي، يمكن لنتائج الأعمال المنجرّة عنها أن تساهم بشكل محسوس في صنع القرار من طرف الهيئات المعنية في الميادين المرتبطة بهذه المهام.

علاوة على ذلك، تعتمد عملية تقييم ظروف تنفيذ سياسة عمومية ما، قبل كل شيء، على دراسة العلاقة الترابطية بين الوسائل المجندة مهما اختلفت طبيعتها

) بشرية و مادية و قانونية ...( و النتائج المتحصل عليها و كذا تحديد أسباب النقائص المحتملة و الاختلالات الوظيفية و الضعف و عدم التناسق.

لذا و مهما كانت طبيعة هذا التقييم، يتمثل الهدف المرجو في تقديم الاقتراحات و صياغة التوصيات قصد الإتيان بالتصحيحات اللازمة و اتخاذ التدابير و إجراءات

التقويم و التطهير و تحسين الجهاز المتعلق بالمعاينات المكتشفة.

ب- إعلام السلطات

كما تضمنت المادة 9 من نفس المرسوم دور المساعدة في اتخاذ القرار و التي تنص : ''عند معاينة قصور أو ضرر جسيم خلال المهمة، تُعلم المفتشية العامة للمالية فورا السلطة السلمية أو الوصية حتى تتخذ في الحين التدابير الضرورية لحماية مصالح المؤسسة أو الهيئة المُراقبة''.

حتى و إن كان هذا النوع من الوضعيات يحدث ناذرا، يمكن أن تتخذ السلطات المعنية تدابير بدفع من المفتشية العامة للمالية إزاء وضعيات طارئة تتطلب السرعة 164 في اتخاذ القرار و دون انتظار نهاية أعمال الرقابة و إعداد تقرير المهمة.

ج- تدخلات خارج البرنامج

يحدد النشاط العملياتي للمفتشية العامة للمالية من خلال برنامج سنوي يصادق عليه الوزير الكلف بالمالية و من خلال طلبات التدخل الصادرة عن السلطات المؤهلة.

وفقا للمادة 13 من المرسوم المذكور أعلاه : ''يحدد البرنامج السنوي للمفتشية العامة للمالية حسب الأهداف المحددة و تبعا لطلبات أعضاء الحكومة''.

نستخلص أن المفتشية العامة للمالية تُدرج، أثناء إعداد برنامجها السنوي، انشغالات السلطات العمومية.

و يُجسد هذا التكفل، على أرض الواقع، عبر المراسلات الموجهة لكل الدوائر الوزارية، قبل البت في البرنامج السنوي، لدعوتهم لصياغة ااقتراحات المهام.

و تنص نفس المادة أيضا على أن عمليات الرقابة يمكن أن تُنجز بطلب من السلطات.

إن هذه الطلبات التي تتعلق في غالب الأحيان بجوانب محددة، و التي توليها المفتشية العامة للمالية الأولوية بالمقارنة مع مهام مبرمجة و ذلك بالنظر لطابعها الاستعجالي، تدخل في خانة مهام المساعدة على اتخاذ القرار.

د- تقديم اقتراحات و صياغة توصيات

إن الأحكام التي تترجم أكثر دور المفتشية العامة للمالية بصفتها هيئة مساعدة في صنع القرار، هي متضمنة في المادة 21 ) الفقرة 2 و 3( من المرسوم المذكور أعلاه و التي تنص في جوهرها على أن التقرير الأساسي ''يتضمن اقتراحات التدابير التي من شأنها أن تحسن تنظيم المؤسسات و الهيئات المُراقبة و تسييرها و نتائجها.

و يمكن أن يتضمن أيضا كل اقتراح من شأنه أن يحسن الأحكام التشريعية و التنظيمية التي تحكمها.'' تتضمن التقارير المعدة اثر مهام مهما كانت طبيعتها )رقابة التسيير، التقييم، التدقيق، التحقيق، الخ( جزءا خاصا بالتوصيات المنجرة عن المعاينات المدونة في نفس التقارير. و تسفر هذه التوصيات عموما عن تدابير و أحيانا عن برنامج عمل تُعلم به المفتشية العامة للمالية من خلال رد المسيرين المعنيين.

و تعلم السلطات السلمية أو الوصية بالتدابير التي أثارتها تقارير المفتشية العامة للمالية.

ذ- الردود المخصصة لتقارير المفتشية العامة للمالية

منذ زمن طويل و على غرار هيئات و مؤسسات الرقابة الأخرى، فان الانتقادات المتكررة حول فاعلية الرقابة التي تمارسها المفتشية العامة للمالية تتعلق عموما بعدم وضوح الرؤية و غياب ردود على تقاريرها.

تعد هذه الوضعية نتيجة طبيعية تمخضت عن الطابع الاختياري الذي كانت تتميز به الأجوبة على تقارير المفتشية العامة للمالية سواء من طرف المسيرين المعنيين أو الإدارات الوصية.

و في غياب ردود فعل عن الكيانات الخاضعة لرقابتها إزاء المعاينات المسجلة و التوصيات المصاغة لا يكون دور المفتشية العامة للمالية في المساعدة في صنع القرار حقيقيا.

165 في هذا الصدد، جاء المرسوم رقم 08 - 272 المؤرخ في 06 سبتمبر 2008 المحدد لصلاحيات المفتشية العامة للمالية بجديد مهم لا سيما من خلال المواد 23 و 5 2 و 26 التي تنص على التوالي على:

- إلزام المسيرين بالرد على المعاينات و الملاحظات المسجلة في تقارير المفتشية العامة للمالية )الإجراء التناقضي(.

- إعلام السلطات السلمية أو الوصية المفتشية العامة للمالية بالتدابير التي أثارتها التقارير المرسلة لها )الردود المخصصة لتقارير المفتشية العامة للمالية(.

- إعداد المفتشية العامة للمالية تقرير سنوي يتعلق بالردود المخصصة لمعايناتها و توصياتها يُوجه للسلطات المؤهلة من بينها السيد الوزير الأول )التقرير الخاص(.

و هكذا أصبح إعداد التقرير التلخيصي الذي يختم الإجراء التناقضي، و الذي كان استثنائيا، شبه قاعدة بعد صدور المرسوم المذكور أعلاه.

إن تنفيذ إجراء تبادل المعلومات، بعد أعمال الرقابة، بين المفتشية العامة للمالية و المؤسسات الخاضعة لرقابتها مع إشراك السلطات السلمية أو الوصية، يمنح امتدادا ملموسا لتقارير المفتشية العامة للمالية و دورها في المساعدة في صنع القرار.

و بالتالي فان الدور الاستشاري و كذا المساعدة في اتخاذ القرار المخوّلان للمفتشية العامة للمالية كما أشرنا إليه أعلاه لا يعنيان في أي حال من الأحوال أن هذه الهيئة فقدت صلاحياتها الاعتيادية في التحقيق و رقابة التسيير و الكشف عن أي شكل من أشكال المساس بقواعد حسن تسيير الأموال العمومية. للإشارة، فانّ هات يْن المهمت يْن ليستا متعارضت يْن بل هما متكاملت يْن.

يهدف البحث في الاختلالات الوظيفية و مخالفة أحكام التشريع و التنظيم المعمول بهما و الكشف عن أي شكل من أشكال الانحراف و تحيينها، إلى تحديد أسباب العجز الذي كان مصدر هذه الانحرافات و كذا الإجراءات المستعملة.

و الغاية من ذلك هو استخلاص الدروس اللازمة، بصفة وقائية، من أجل تقديم الاقتراحات الرامية إلى الإتيان بالتصحيحات و التقويمات الملائمة.__