تاريخ وزارة المالية

إن حقبة الاستعمار الفرنسي التي دامت أزيد من قرن من الزمن قد أبقت الجزائر بعيدا عن تطورات العالم الحديث، الذي قطع رغم الحروب الكبرى أشواطا كبيرة من النهضة و البناء و الرقي على العديد من المستويات، حيث تم، خلال هذه الفترة من الاحتلال، إقصاء الجزائريين من السير نحو التقدم من طرف الإدارة الفرنسية

لم تكن هذه السياسة وليدة الصدفة بل كانت ترمي إلى استغلال قوة «العامل الجزائري » من دون أن يتطلع إلى التحرر عبر العلم و التأهيل، فقد وصلت نسبة الأمية آنذاك إلى 95 % من السكان المحليين.

على غرار الأغلبية من السكان الذين لم يستفيدوا من أي برنامج تربية حقيقي، فإن الإدارة آنذاك كانت عبارة عن هيكل استعماري يعتمد، بالنسبة للتأطير، على الكفاءات القادمة من فرنسا، ولا تشغل المورد البشري المحلي الذي لم تتح له فرصة التحصيل العلمي، إلا إذا اقتضت الضرورة لذالك، و خاصة عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع السكان.

عند الاستقلال، الرحيل الواسع و المكثف للمسيرين و التقنيين الفرنسيين ترك الإدارة، و مهما كان النسيج الاقتصادي، من دون موارد بشرية لتسييره، من غير تأطير لضمان استمراريته. فالأولوية عندها كانت لسد الفراغ الذي تركته الإدارة الفرنسية، و ضمان سير المرافق المتبقية قبل النظر في إنشاء هياكل أخرى جديدة متماشية مع الوضع الجديد الناتج من استرجاع السيادة الوطنية.

لم يكن قطاع المالية عن غنى من هذا الوضع، فقد كانت الإدارة فاقدة للتنظيم، غير متماشية مع الوضع الجديد، و القطاع المالي و المصرفي عرف نزوح المؤسسات المالية الفرنسية إلى أراضيها، وبقيت تعمل في أطر و نسب محدودة إلى غاية تأميمها سنة 1966

ميلاد أول وزارة للمالية سنة 1962

تأسست أول وزارة للمالية تابعة لأول حكومة جزائرية مستقلة في 27 سبتمبر 1962 عن طريق المرسوم 62 - 11 الصادر في العدد الأول للجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، والتي عين على رأسها الدكتور احمد فرانسيس كأول وزير للمالية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن أول تسيير لقطاع المالية في عهد الجزائر المستقلة أوكل إلى مديرية الشؤون المالية التابعة للحكومة الجزائرية المؤقتة التي حلت محل الحكومة العامة الفرنسية في 6 أفريل 1962 .

منذ تأسيسها، اعتبرت وزارة المالية كأكبر المرافق العامة للدولة، نظرا لمختلف المهام المنوطة بها في صميم الاقتصاد و المجتمع الجزائري طبقا للمرسوم 63 - 127 ، فان وزارة المالية ضمت، إضافة إلى أسلاك التفتيش و المراقبة، خمس مديريات مركزية كانت مهامها تتمحور حول تسيير المهام السيادية

للدولة و المتمثلة فيما يلي:

- الميزانية،

- الضرائب والتنظيم العقاري،

- الخزينة و القروض،

- التمويل الخارجي و الجمارك.

- أسلاك التفتيش و الرقابة التابعة لوزارة المالية كانت منحصرة في الهياكل التالية:

- مجلس المحاسبة،

- المفتشية العامة للمالية،

- الوكالة القضائية للخزينة،

- المراقبة المالية للدولة،

- لجنة رقابة المؤسسات العمومية.

لقد اجتاز قطاع المالية، منذ تأسيسه، عدة مراحل متعلقة أساسا بالمهام و التنظيم و هذا تبعا لمختلف الخيارات الاقتصادية و الاجتماعية التي طبعت الدولة الجزائرية و التي مازالت مستمرة إلى يومنا هذا.

هذا التطور الحاصل منذ سنة 1962 عرف إعادات تنظيم متعددة في كل عقد من الزمن تطابقا مع مراحل جوهرية في تاريخ الدولة الجزائرية في 4 سبتمبر1963 و بصدور المرسوم 63 / 326 )ج ر رقم 63 ( تم إقرار أول هيكلة كبرى لوزارة المالية من خلال تجميع كل وظائف الاقتصاد الوطني.

طبقا لهذه الهيكلة الجديدة، أصبحت وزارة المالية تضم إضافة إلى صلاحياتها التقليدية، صلاحيات كل من دائرة التجارة، التصنيع و الطاقة التي تم إلغاءها، و كذلك صلاحيات كل من المديرية العامة للتخطيط و الدراسات المالية وكذا الصندوق الجزائري للتنمية. و أسندت هذه الوزارة الكبرى إلى السيد بشير بومعزة.

تعديلات 1965

بتأسيس حكومة جديدة عن طريق الأمر 65 / 182 ، عرفت وزارة المالية تسمية جديدة تمثلت في وزارة المالية و التخطيط و التي عين على رأسها السيد قايد احمد.

إعادة تنظيم وزارة المالية الجديد لم ينحصر فقط في التسمية و إنما كان نتيجة الجدل السياسي الحاصل آنذاك حول التنظيم الاقتصادي و تسيير مالية الدولة، خاصة فيما يخص فصل وظائف التخطيط و تمويل البرامج العمومية التي كانت محل نقاش واسع و التي امتدت إلى العقود التي تلت هذه المرحلة.

دام هذا الارتباط بين قطاع المالية و التخطيط إلى غاية سنة 1970 أين أعيد تنظيم وزارة المالية بصدور الأمر 70 / 53 المتعلق بتشكيل الحكومة، حيث تم فصل

قطاع التخطيط عن وزارة المالية و إسناده إلى كتابة الدولة للتخطيط التي وضعت تحت إدارة السيد كمال عبد الله خوجة.

عشرية السبعينات: بداية مخططات التنمية

نظرا لثقل مهام التنمية التي كانت محاطة بسياق سياسي خصوصي، أصبحت صلاحيات وزارة المالية تتمحور حول المجالات التقليدية المتمثلة أساسا في تحصيل الإيرادات، منح موارد الميزانية، و مراقبة نفقات الدولة، في حين تم إسناد مهام التنظيم الاقتصادي و التخطيط إلى قطاعات أخرى.

تجسيدا لهذا التغيير في المهام، تم إصدار مرسوم 71 / 259 المؤرخ في 19 أكتوبر 1971 يتضمن تنظيم الإدارة المركزية الذي هيكل وزارة المالية إلى عشر مديريات هذه المديريات العشر تحولت إلى سبع مديريات عامة بعد صدور المرسوم 82 / 238 المؤرخ في 17 جويلية 1982 المتضمن تنظيم الإدارة المركزية لوزارة المالية.

خلال هذه الفترة المتميزة بامتداد و سعة الوظائف المتعلقة بالميزانية، تم إنشاء وزارة منتدبة لدى وزارة المالية مكلفة بالميزانية، في حين أن تنظيم الهياكل المركزيةو المحلية لم تشهد تغييرا كبيرا.

عشرية التسعينات: الانتقال إلى اقتصاد السوق

تميزت هذه المرحلة أساسا بالتعديل الدستوري لسنة 1989 الذي احدث تغييرا جذريا في المشهد الاقتصادي أثر بصفة مباشرة على هيكلة وزارة المالية الذي تجسد بإنشاء وزارة الإقتصاد في 16 سبتمبر 1989 و التي ضمت عدة قطاعات هذا التغيير الحاصل لم يقتصر فقط على التنظيم و المهام و إنما مس أيضا هيكل الموارد البشرية للقطاع التي كانت مدعوة للتكيف مع هذا السياق الجديد.

عُين السيد غازي حيدوسي وزيرا للاقتصاد و الذي كلف أساسا بتحضير الانتقال إلى اقتصاد السوق من خلال جمع اختصاصات قطاع التجارة و كذا اختصاصات قطاع المؤسسات الصغرى و المتوسطة فيما بعد. استمرت هذه الفترة أربع سنوات و ذلك إلى غاية 1994 أين تم الرجوع إلى وزارة المالية ذات المهام التقليدية و هذا تطبيقا للمرسوم 94 / 93 المؤرخ في 15 أفريل 1994 المتعلق بتشكيل حكومة.

في أواخر سنوات التسعينات و بالأخص إبتداءا من سنة 1998 تم إعادة هيكلة وزارة المالية عن طريق توحيد ميزانية التسيير مع ميزانية التجهيز للدولة و هذا بفعل تحويل تسيير ميزانية التجهيز إلى وزارة المالية.

إضافة إلى ذلك فإن مهمة التخطيط أصبحت أيضا تابعة لاختصاصات وزارة المالية.

تكمن أهمية هذا التحويل ضمن العشرية التي تلي هذه المرحلة أين انبثقت عنه عدة مخططات متعددة السنوات للتنمية.

سنوات العشرية الأولى للألفية: عصرنة متسارعة

عكس الفترات السابقة، فإن مرحلة سنوات العشرية الأولى للألفية لم تتميز بإعادة هيكلة وزارة المالية عن طريق نص قانوني فحسب و إنما كان تنظيمها نتاج عملية التحديث السريعة عبر إعادة توزيع المهام و ظهور نشاطات أخرى جديدة و التي تزامنت مع تطور ملحوظ للمنشآت القاعدية و أنظمة المعلومات.

هذه العملية ترافقت مع ارتفاع في نسبة الموارد البشرية المستخدمة من حيث العدد و النوعية المرسوم التنفيذي 07 / 364 المؤرخ في 28 نوفمبر 2007 المتعلق بتنظيم الإدارة المركزية لوزارة المالية جاء إذا ليجسد خطوات تحديث تسيير قطاع المالية من خلال التكفل بمهامه الدائمة و المهام الجديدة بديناميكية خاصة.__